أجمل رسائل بريد الجمعةقصص وعبرقضايا وأراء

قوة الروح .. رسالة من بريد الجمعة

⏱ وقت القراءة: 3 دقيقة
📅 آخر تحديث: 5 مايو 2026

من أرشيف بريد الأهرام للكاتب عبد الوهاب مطاوع (رحمه الله)

قرأت منذ فترة رسالة لأم تحكي فيها عن حيرتها في التعامل مع طفلتها المحرومة من البصر‏,‏ وتطلب مشورة المتخصصين في ذلك‏,‏ ولقد ذهلت لما جاء بهذه الرسالة‏,‏ لأنني فتاة كفيفة‏,‏ ولدت لأم مبصرة وأب كفيف‏,‏ فأنا كفيفة بالوراثة برغم أن أبي ليس قريبا لأمي‏,‏ بل كان زميلا لها بالجامعة‏,‏ وتزوجا برغم اعتراض الأهل‏,‏ وأصرت أمي على أن تقف بجانبه‏.‏

وبالفعل حصل أبي خلال رحلته مع أمي على رسالة الدكتوراه‏,‏ واصحب أستاذا بالجامعة‏,‏ ولن أطيل فيما قامت به أمي من جهد عظيم‏,‏ خلال هذه الرحلة‏.‏

أما عني‏,‏ فقد قامت أمي بالتعامل معي بتلقائية شديدة كأي طفلة عادية‏,‏ وأصرت على أن ألتحق بحضانة للمبصرين العاديين‏,‏ برغم اعتراض إدارة الحضانة على ذلك خوفا من صعوبة التعامل معي كطفلة كفيفة‏,‏ ولكن بإصرار أمي الكبير قبلت هذه الحضانة‏,‏ وكانت بذلك أول من فكر في مصر في فكرة الدمج بين الطفل المعوق والأطفال العاديين‏,‏ ومنذ اليوم الأول لي في الحضانة اكتشفني مدرس الموسيقي‏ (‏ بابا صلاح‏)‏ رحمه الله الذي لا أنساه ما حييت‏,‏ فكنت أحيي حفلات الحضانة وقائدة الفريق والطفلة المميزة بالحضانة‏.‏

ويكفي أنني استطعت مواجهة الناس والوقوف على المسرح أمام الجميع منذ الطفولة‏,‏ مما أعطاني الثقة  بالنفس وبقدراتي منذ الطفولة‏,‏ وبالإضافة إلى ذلك‏,‏ فقد التحقت بالكونسرفتوار فرع الإسكندرية‏,‏ وفي الوقت نفسه بمدرسة النور بمحرم بك‏,‏ وقامت أمي بمتابعتي دراسيا وموسيقيا‏,‏ برغم عدم علمها بأي شئ يخص الموسيقى وقد علمت نفسها بنفسها كيفية قراءة النوتة الموسيقية‏,‏ لكي تستطيع أن تمليني بطريقة برايل مناهجي الأكاديمية الصعبة واستمرت الرحلة حتى حصلت بحمد الله تعالى على شهادة التخرج في الكونسرفتوار وعلى ليسانس الآداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية‏.‏

ولم تنس أمي أبدا خلال هذه الفترة من حياتي ان تعلمني أيضا شئون المنزل من نظافة وطهو وكي للملابس وإدارة لشئون المنزل إدارة كاملة‏,‏ واختيار ملابسي حتى أنني تفوقت بفضل الله وبعون أمي على مثيلاتي من المبصرات اللاتي يخشين الوقوف أمام البوتاجاز‏,‏ ولا يعرفن كيف يقمن بإعداد طعامهن‏,‏ أو غير ذلك‏.‏

وبرغم انه كان بإمكان أمي أن تستعين بمساعدات للمنزل فلقد رفضت ذلك نهائيا‏..‏ والآن أنا اشعر بأنه لا ينقصني شئ والحمد لله واستطيع إدارة شئون حياتي جيدا‏,‏ وكل هذه النعم التي أنعم الله بها علي جعلتني لا اشعر بأنني فقدت الكثير‏,‏ وأنا اعمل مدرسة وأتفوق على غيري بأن لدي شهادتين‏:‏ الليسانس من قسم اللغة العربية وشهادة الكونسرفتوار‏,‏ واعمل بهما معا‏.‏

فالإعاقة عندي ليست فقد البصر أو فقد أي عضو آخر‏,‏ ولكن الإعاقة هي عدم قدرة الإنسان على توظيف جميع  قدراته الأخرى لتسيير أمور حياته‏.‏

ونصيحتي لتلك الأم في النهاية هي‏:‏

استعيني بتجربة أمي وبتجربتي الواقعية هذه‏,‏ لتكن ابنتك مثلي قادرة علي اقتحام الحياة بكل ثقة‏,‏ فلا يقف فقد البصر حائلا بينها وبين الدنيا‏.‏
ولأمي أقول شكرا جزيلا‏,‏ والحمد لله انك أمي‏.‏

ملحوظة ‏:‏
هذه الرسالة كتبتها بنفسي على الآلة الكاتبة التي أجيدها بفضل من علموني إياها بالمدرسة وأشكرهم كثيرا‏.‏

ولكاتبة هــذه الرسـالة أقــــول (رد الكاتب عبد الوهاب مطاوع) :

صدقت يا آنستي في أن الإعاقة‏,‏ الحقيقية هي عجز الإنسان عن استخدام كل قدراته في تيسير حياته وتحقيق آماله‏,‏ وإسعاد نفسه‏,‏ وليست في أي شئ آخر‏,‏ فالإنسان قد يكون صحيح الجسم‏,‏ لكنه مصاب بفشل الروح الذي يجعله من المستحيل علي أي شئ أن يحركها أو يؤثر فيها أو يشعرها ببهجة الحياة‏..

والمثل الشرقي القديم يقول إن النار تتلف الخشب‏,‏ ولكنها تقوي الحديد‏..‏ أي أن الإنسان يملك أن يكون من الخشب فتتلفه نار الحياة واختباراتها‏,‏ وأن يكون حديدا تقويه نفس هذه النار وتكسبه الصلابة والقوة‏,‏ والأمر كله معقود على إرادته أولا ثم حسن الرعاية الذي يتوافر له في بيئته المحيطة به‏..‏ وقوة الروح التي تحركه‏..‏ فهنيئا لك يا آنستي روحك العالية وقدراتك المميزة ووفاءك لكل من  أعانك على أمرك وأحسن رعايتك‏.

من أرشيف جريدة الأهرام
 نشرت سنة 2001

مقالات ذات صلة